أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
21
العقد الفريد
فهربت بنو عبس ، وخافت أن لا تقوم بجماعة بني ذبيان ، واتبعوهم حتى لحقوهم ، فقالوا : التفاني أو تقيدونا « 1 » . فأشار قيس بن زهير على الربيع بن زياد أن لا يناجزوهم ، وأن يعطوهم رهائن من أبنائهم حتى ينظروا في أمرهم ، فتراضوا أن تكون رهنهم عند سبيع بن عمرو ، أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان ، فدفعوا إليه ثمانية من الصبيان وانصرفوا وتكافّ الناس ، وكان رأي الربيع مناجزتهم « 2 » فصرفه قيس عن ذلك ، فقال الربيع : أقول ولم أملك لقيس نصيحة * فقد حشّ جاني الحرب نارا تضرّم « 3 » فمكث رهنهم عند سبيع بن عمرو حتى حضرته الوفاة ، فقال لابنه مالك بن سبيع : إن عندك مكرمة لا تبيد إن أنت حفظت هؤلاء الأغيلمة ، فكأني بك لو متّ أتاك خالك حذيفة بن بدر فعصر « 4 » لك عينيه وقال : هلك سيدنا ! ثم خدعك عنهم حتى تدفعهم إليه فيقتلهم ، فلا تشرف بعدها أبدا ، فإن خفت ذلك فاذهب بهم إلى قومهم . فلما هلك سبيع أطاف حذيفة بابنه مالك وخدعه حتى دفعهم إليه ، فأتى بهم اليعمرية ، فجعل يبرز كل يوم غلاما فينصبه غرضا ، ويقول : ناد أباك ! فينادي أباه حتى يقتله . يوم اليعمرية : لعبس على ذبيان فلما بلغ ذلك من فعل حذيفة بني عبس أتوهم باليعمريّة ، فلقوهم بالحرّة - حرة اليعمرية - فقتلوا منهم اثني عشر رجلا ، منهم مالك بن سبيع الذي رمى بالغلمة إلى حذيفة ، وأخوه يزيد بن سبيع ، وعامر بن لوذان ، والحرث بن زيد ، وهرم بن ضمضم أخو حصين . ويقال ليوم اليعمرية : يوم نفر ، لأن بينهما أقل من نصف يوم .
--> ( 1 ) تقيدونا : أي تعطونا القاتل نقتله بمن قتل ( 2 ) المناجزة : المقاتلة والمحاربة ( 3 ) حش النار : اسعرها ( 4 ) عصر عينيه : يقال عصر الشيء : إذا استخرج ما فيه من دهن أو ماء ونحوه